عمري 15 سنة، ومنذ أن بدأت أفهم كرة القدم وأتابع المنتخب السعودي، وأنا أبحث عن إجابة لسؤال بسيط يراودني كلما شاهدت الأخضر يلعب: متى أفرح بلقب سعودي؟ أعرف أن المنتخب السعودي حقق بطولات كثيرة في تاريخه، وأعرف أن هناك أجيالاً عاشت أياماً لا تُنسى مع الأخضر، لكن المشكلة أنني لم أكن موجوداً لأعيش تلك اللحظات.
كلما جلست مع والدي وتحدثنا عن المنتخب، يبدأ بسرد قصص أشعر وكأنها من زمن بعيد، رغم أنها بالنسبة له ذكريات قريبة لا يمكن أن ينساها، يقول لي والدي بفخر: “يا مرشد، أنا شاهدت المنتخب السعودي يحقق 3 بطولات آسيوية، وشاهدته يحقق بطولتين خليجيتين، وعشت معه أفراح البطولات العربية”، أستمع إليه وأنا أتخيل المشهد، أتخيل المدرجات وهي ممتلئة بالجماهير السعودية، والأعلام الخضراء تملأ المكان، والأغاني والأهازيج في كل زاوية، والناس يخرجون إلى الشوارع فرحاً بانتصار منتخب بلادهم، أتخيل والدي وهو يعيش تلك اللحظات، وأتساءل في داخلي: لماذا لم أحصل على فرصتي حتى الآن؟
أنا لم أعش بطولة آسيا 1984، ولا بطولة آسيا 1988، ولا بطولة آسيا 1996. لم أعش تلك الليالي التي يتحدث عنها والدي وكأنها حدثت بالأمس، ولم أعش كذلك أفراح البطولات الخليجية والعربية التي حققها المنتخب السعودي عبر تاريخه، كل ما لدي عنها صور قديمة، ومقاطع فيديو، وقصص أسمعها من والدي ومن الجيل الذي عاش تلك الأيام.
أنا من جيل مختلف، جيل وُلد وهو يسمع عن أمجاد الأخضر، ويشاهد لقطات النجوم السابقين وهم يرفعون الكؤوس، لكنه ينتظر أن يرى المشهد نفسه بأعينِهِ، نحن جيل شاهد المنتخب السعودي يتأهل إلى كأس العالم، وشاهد انتصاراته الكبيرة، وعاش لحظات جميلة لا يمكن إنكارها، لكن هناك شعور مختلف تماماً اسمه فرحة التتويج.
الانتصار في مباراة جميلة، والتأهل إلى بطولة كبرى، وتحقيق نتائج مميزة، كلها لحظات نفتخر بها، لكن رفع الكأس شيء آخر، أريد أن أعرف كيف تكون تلك اللحظة، أريد أن أشاهد قائد المنتخب السعودي يرفع الكأس عالياً، وأن أرى زملاءه يركضون خلفه، وأن أسمع صوت الجماهير السعودية وهي تحتفل، أريد أن أفتح هاتفي وأرى كل حسابات السعوديين تتحدث عن إنجاز واحد: الأخضر بطل.
أريد أن أخرج إلى الشارع وأجد السيارات تحمل الأعلام السعودية، وأسمع أصوات الاحتفال في كل مكان، أريد أن أعيش الذكرى التي سيأتي يوم وأحكيها لأبنائي، لا أريد عندما يسألني ابني مستقبلاً: “أبي، هل شاهدت المنتخب السعودي يحقق بطولة؟” أن أقول له: “لا، لكن جدك شاهد”.
أريد أن أقول له: “نعم.. شاهدت، وكنت هناك، وعشت الفرحة”، ربما لا يعرف والدي حجم شعوري عندما يتحدث عن بطولات الأخضر، لكنه في كل مرة يذكرها يجعلني أتمنى أن أعيش ولو ليلة واحدة مما عاشه.
أحياناً أشعر بالغيرة من جيله، ليس غيرة من أجل الماضي، بل غيرة من تلك الذكريات التي يحملونها، جيل والدي لديه صور وذكريات وبطولات يحكي عنها، أما أنا، فأريد أن تكون لدي ذكرياتي الخاصة، أريد أن أتحدث يوماً مع أصدقائي عن ليلة لا تُنسى، عن بطولة كنا ننتظرها، عن هدف حاسم، وعن لاعب رفع الكأس، وعن لحظة لم نستطع فيها السيطرة على دموع الفرح.
نحن لا نقلل من تاريخ المنتخب السعودي، بل على العكس، نفخر به، نحن أبناء منتخب حقق 3 بطولات آسيوية، وحقق بطولات خليجية وعربية، وكتب تاريخاً كبيراً في كرة القدم الآسيوية، لكن التاريخ الجميل لا يعني أن نتوقف عنده، نحن نريد أن نضيف إليه، نريد أن يكون لنا فصل في كتاب الإنجازات، وأن نحكي لأبنائنا يوماً عن نجوم عاصرناهم، وعن بطولة شاهدناها، وعن ليلة فرحنا فيها جميعاً تحت راية الوطن، واليوم وأنا في الخامسة عشرة من عمري، لا أعرف متى ستأتي تلك اللحظة.
لكنني أعرف شيئاً واحداً: سأنتظرها، سأظل أشجع الأخضر، وأفرح لانتصاراته، وأحزن لخساراته، وأقف خلفه في كل بطولة، وسأنتظر اليوم الذي يعود فيه والدي ليقول لي: “يا مرشد، الآن جاء دورك.. عشت فرحة من أفراح الأخضر”، عندها سأبتسم وأقول له: “أخيراً يا أبي.. أصبحت لدي بطولة أروي قصتها لأبنائي”. متى أفرح بلقب سعودي؟ لا أعرف، لكنني أعرف أنني سأظل أنتظر تلك الليلة بكل شغف، لأنني لا أريد أن أكون مجرد جيل سمع عن بطولات الأخضر.. أريد أن أكون جيلًا عاشها.
المصدر – جريدة الرياض

