منذ الفجر الأول لسبعينيات القرن الماضي، وتحديداً في عام 1970، وأبناء الخليج العربي على موعدٍ متجدد مع تظاهرة رياضية لا تشبه غيرها. إنها ليست مجرد بطولة كروية تُقام كل عامين، بل هي طقسٌ اجتماعي وثقافي يجمع الأحبة تحت سقف التنافس الشريف، ويزرع الندية والإثارة في القلوب حتى اللحظات الأخيرة من عمر صافرة النهاية.
على مدار عقود، ظلت هذه البطولة العريقة بمثابة «المدرسة الأولى» التي صقلت كرتنا الخليجية، والشرارة التي فجّرت الطاقات لتقود منتخباتنا نحو معانقة المجد القاري في كأس آسيا، وتحقيق الحلم الأكبر بالوصول إلى نهائيات كأس العالم مراراً وتكراراً. في كنفها، وُلدت الأساطير ونُحتت الأسماء بحروف من ذهب في ذاكرة المستطيل الأخضر.
كيف لنا أن نمر على تاريخها التليد دون أن تنحني الذاكرة إجلالاً لجيل العمالقة؟ أولئك الذين صاغوا بمهاراتهم فصول الرواية؛ من المملكة العربية السعودية يبرز السهم الملتهب ماجد عبد الله والصخرة الدفاعية محمد عبد الجواد، ومن بلاد الرافدين قناص الآسياد حسين سعيد والقيصر عدنان درجال. ولا يمكن للذاكرة أن تغفل عن سحر فهد خميس وعازف الأهداف عدنان الطلياني من الإمارات، أو ثنائية المرعب جاسم يعقوب والملك فيصل الدخيل التي سخرت الملاعب للكويت. وفي البحرين يتلألأ اسم خليل شويعر والحارس الفذ حمود سلطان، وفي قطر يبرز الثعلب منصور مفتاح والأمين يونس أحمد، وصولاً إلى أيقونات عمان كغلام خميس ويوسف أمان، وصولات شادي جمال وعادل السالمي مع اليمن السعيد.
ولم تكن الإثارة حبيسة العشب الأخضر فحسب، بل صدحت بها حناجر ذهبية ارتبطت أصواتها بوجدان الجماهير. فمن ينسى أسطورة التعليق وشيخ المعلقين خالد الحربان من الكويت وهو يشعل المدرجات بنبرته الفريدة، أو صوت يوسف سيف بنبرته القطرية الرصينة، وعلي حميد بعباراته الإماراتية الخالدة؟ أولئك الذين حولوا المباريات إلى ملاحم مسموعة تتناقلها الأجيال.
ومع غروب شمس كل يوم في البطولة، كانت الشاشات والمحطات التلفزيونية تتحول إلى ساحات حوارية ساخنة، تتسابق فيها القنوات لتقديم أبهى ما تملك من تحليل ونقد، في تظاهرة إعلامية أشبه بسوق عكاظ رياضي وثقافي، يترقبه الصغير والكبير بشغف لا ينطفئ.
وعلى الرغم من أن الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا» قد يتعامل معها أحياناً خارج أجندته الرسمية، إلا أن «كأس الخليج» قد نالت الاعتراف الأسمى والأكبر؛ اعتراف محفور في أفئدة الملايين من عشاقها الذين يمنحونها قيمة تفوق أعتى البطولات العالمية. اليوم، تقف هذه البطولة شامخة، تعيد الترحيب بأبنائها بذات الابتسامة العريضة التي احتضنتهم بها أول مرة، مستحضرةً تلك اللحظات التاريخية التي توجت فيها الإمارات بطلاً؛ تارةً مع فرقة الفرنسي الراحل ميتسو، وتارةً أخرى مع كتيبة المدرب الوطني القدير مهدي علي.
إنها بطولة وُجدت لتبقى، ونمت لتستمر، متجذرة في تراب الخليج كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، لتبقى دائماً وأبداً «أم البطولات» التي لا تموت.
جاسم يعقوب
شيخ المعلقين خالد الحربان.. وثق بصوته العصر الذهبي للكرة الخليجية
عدنان الطلياني
محمد الدعيع
حمود سلطان
حسين سعيد
منتخب المملكة بطل خليجي 1994
غلام خميس
عبدالكريم بن دهام الدهام
المصدر – جريدة الرياض

