في صمت الرمال، وبين تضاريس الصخر، وجنون التنوع تتحدث المملكة العربية السعودية بلغة التاريخ، وموطن الحضارات المتعاقبة، وشاهد حي على ولادة الإنسان، وتطور العمران، وتلاقي الثقافات.
تسعى المملكة، من خلال رؤية 2030، إلى إعادة تعريف موقعها الحضاري عالميًا كأرض زاخرة بالإرث الإنساني، والمادي والطبيعي، وقد باشرت الجهات المختصة، كمنظومة الثقافة، في خطوات نوعية للحفاظ على الآثار، وتسجيلها في قائمة التراث العالمي (اليونسكو)، لتصبح هذه المواقع رواة لقصة وطن لم ينقطع عن التاريخ.
تحتضن منطقة الرياض في أطرافها الشمالية الغربية إقليم الوشم، وهو من أعرق أقاليم نجد وأغناها بالبلدات التراثية. وتنتشر في هذا الإقليم وفي جواره، سدير وغيره، بلدات طينية حافظت على ملامحها العمرانية القديمة، من الأزقة الملتوية إلى الأسوار المحيطة والأسواق المتصلة بالمساجد. وتبعد البلدة التراثية في روضة سدير نحو 180 كيلومترًا شمال العاصمة وتضم قرابة 350 بيتًا طينيًا، فيما تتصدر شقراء مواقع المنطقة السياحية والتراثية بمعالمها وموقعها الاستراتيجي.
وفي قلب هذه الجغرافيا تقف بلدة أشيقر التراثية على بعد قرابة مئتي كيلومتر من الرياض، تتبع إداريًا لمحافظة شقراء، وهي من أقدم بلدات نجد المأهولة. تتجاور فيها البيوت الطينية والمساجد القديمة والأسواق وسور البلدة، ويجمع نسيجها العمراني بين ما شيده الأجداد من بيئتهم وما أعاده الأحفاد إلى الحياة بعد عقود من الهجر.
وتختصر أشيقر في بنائها تجربة نجد الحضرية؛ مورد ماء قديم استقر حوله الناس، فنمت بلدة زراعية تجارية، ثم صارت مركز علم يقصده طلابه، ثم بلدة تراثية يزورها السياح. ومن أزقتها الضيقة يمكن للزائر أن يقرأ هذه المراحل كلها، وقد اجتمعت في مساحة واحدة تقوم على الطين والخشب والذاكرة.
مورد الماء
تُعد أشيقر من أقدم بلدان نجد، وقد أجمع المؤرخون على أن نشأتها تمتد إلى العصر الجاهلي. فقد ذُكرت في شعر الجاهلية وفي شعر صدر الإسلام والعصر الأموي، وكانت قديمًا مورد ماء لبني تميم. وتذكر المصادر أن سكانها الأوائل استقروا فيها منذ نحو ألف وخمسمئة عام، ثم توسع عمرانها وتطور حتى صارت محطة تمر بها قوافل الحجاج المتجهة إلى مكة المكرمة عبر نجد.وقد منح الماء هذه البقعة قيمتها، فاجتمع حوله الزرع والسكن والتجارة. وحول البلدة بساتين النخيل وجبل يحدها من الشمال، يتنفس به أهل الوشم وسدير في أيام الإجازات. وبين هذه العناصر نشأت حياة اجتماعية مستقرة، تركت في المكان آثارها من آبار ومساجد وبيوت وأسواق.
منها وفيها
تتميز عمارة أشيقر بأنها نابعة من بيئتها بالكامل. فقد بُنيت جدران البيوت من لبن الطين، وسُقفت الغرف والممرات بأخشاب الأثل، وغُطيت الفراغات بين الأخشاب بسعف النخيل. وصُنعت الأبواب والنوافذ وسائر الأعمال الخشبية من جذوع النخل والأثل، فلم تدخل إلى البناء مادة غريبة عن المكان.
وهذه المواد المحلية تعزل الحرارة وتحفظ برودة الغرف في الصيف ودفأها في الشتاء، وتسمح للبيت بأن يتنفس. وقد زُينت الأبواب الخشبية بنقوش وألوان، وفُتحت النوافذ الصغيرة بما يوازن بين الإضاءة والخصوصية. وبهذه التفاصيل البسيطة استطاع البنّاؤون أن يصنعوا مساكن مريحة في صحراء قاسية، من تراب الأرض وخشب شجرها.
بلدة نموذجية
تضم البلدة نحو أربعمئة بيت من اللبن، موزعة على سبعة أحياء، تتخللها أزقة متعرجة تفضي إلى مزارع النخيل والبساتين. ويحيط بها سور له بوابات واسعة وأبراج عالية، تحمي المساكن وتنظم الدخول والخروج. وتتوزع المباني حول ساحة مركزية مستطيلة، يقع إلى غربها المسجد الجامع، وتمتد إلى شرقها حوانيت تجارية وخدمات عامة، منها مخازن الحبوب والموازين ودار للضيافة ومدارس لتعليم القرآن الكريم. وترتبط الأحياء السكنية بالساحة بطرق رئيسة تجعل الحركة بين البيت والمسجد والسوق سهلة.
وهذا التخطيط يعكس نمطًا حضريًا مبكرًا، فالمسجد في الوسط يجمع الناس، والسوق إلى جانبه يعيد إليهم ما يحتاجون، والبيوت تحيط بهما من كل جهة. وهو تخطيط يحقق التماسك الاجتماعي في مساحة صغيرة، ويقدم للزائر اليوم صورة واضحة عن كيفية عيش الناس في نجد قبل قرون.
مساجدها الثلاث
تفتخر أشيقر بثلاثة مساجد قديمة كبيرة هي المسجد الجامع ومسجد الفيلقية والمسجد الشمالي. وقد رُمم كل منها ليحافظ على طابعه التاريخي، ومنها مسجد الفيلقية الذي يقع غرب الساحة، وقد ضم في محيطه إحدى أولى المدارس القديمة في البلدة.
أما المسجد الشمالي فهو مسجد الشيخ سليمان بن علي بن مشرف، جد الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، ويقع في أحد الممرات الضيقة بسوق المنيخ في الجهة الشمالية. وقد رُمم المسجد كما بُني أول مرة، بـ»صفته» و»خلوته» التاريخيتين، فحافظ على هيئته الأولى. وتعود الأصول المكانية لأجداد الشيخ محمد بن عبدالوهاب إلى بلدة أشيقر، ومنها انتقل جده إلى حوطة سدير، ثم العيينة وحريملاء، قبل أن يستقر الشيخ في الدرعية. وبهذا يربط المسجد الشمالي البلدة بسلسلة من الأعلام الذين حملوا العلم من قريتهم إلى مواطن أخرى من نجد.
عاصمة العلم
عُرفت أشيقر بأنها مركز إشعاع علمي في نجد، وكانت محطة تعليمية يقصدها الطلاب والعلماء، وقاعدة انطلاق علمية. وقد خرج منها كثير من العلماء والقضاة والمؤرخين. وفيها أقدم وثيقة نجدية معروفة، وهي وقف صبيح الذي يعود إلى عام 747هـ، إلى جانب أقدم مخطوطة وُجدت في البلدة وتعود إلى عام 799هـ. وهذا يدل على أن شعائر الإسلام قامت فيها منذ قرون، وأن أهلها اهتموا بالكتابة والتوثيق.
وقد أشار الباحثون إلى أن أكثر من نصف علماء نجد الذين سبقوا ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب ولدوا في أشيقر أو تعلموا فيها. واشتهرت البلدة كذلك بكثرة الأوقاف والوصايا، وهي عادة اجتماعية حققت التكافل ورسخت قيم التعاون بين الناس. ومن أعلامها المؤرخ الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى، الذي ما زال بيته من معالم البلدة بعد ترميمه، وفيه يتعرف الزائر على مرحلة من تاريخ نجد دوّنها أحد أبنائها.
تريم وإحياء
بدأت أعمال الترميم في البلدة التراثية عام 1424هـ بعد زيارة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، الذي وجه بإعادة ترميم الممتلكات العامة، كالمساجد والأسواق والدكاكين والممرات المؤدية إلى المنازل. وبادر الأهالي بعد فترة وجيزة إلى ترميم منازلهم على حسابهم الخاص، وأنشؤوا دار التراث الذي يُعد متحفًا متكاملًا للتراث الشعبي للبلدة. ثم قامت الهيئة العامة للسياحة والآثار (سابقًا) بترميم سور القرية، فاكتملت بذلك معظم أجزاء البلدة التراثية.
وتتميز اليوم بعدد من المعالم المرممة، أبرزها المتحف والمتجر والمطعم التراثي والبيوت الطينية، إلى جانب متحف السالم الذي يعرض أدوات الزراعة القديمة والحرف والوثائق والمخطوطات، ومتحف حمد الضويان، وبيت الضيافة والاستراحة الريفية والسوق القديم. وعيّنت الهيئة مرشدين سياحيين يستقبلون الزوار يوميًا طوال ساعات النهار ويطوفون بهم على المعالم. وصارت أشيقر من أكثر الوجهات استقبالًا للسياح في منطقة الرياض، وبخاصة يومي الخميس والجمعة، ومن أكثر البلدات التراثية جاهزية للرحلات السياحية في المملكة. وقد عدّ المختصون تجربتها مثالًا يُحتذى في تعاضد الأهالي حتى أخرجوا قريتهم من طي النسيان إلى ذاكرة الوطن السياحية.
ختامًا.. تقف أشيقر اليوم بجدرانها الطينية وأسقفها ومساجدها الثلاثة شاهدة على بلدة جمعت العلم والتجارة والزراعة في مكان واحد. من مورد الماء الذي استقر حوله الأوائل، إلى مسجد الشيخ سليمان بن علي الذي يحفظ أصل أسرة مصلح كبير، إلى أهالٍ مدّوا أيديهم لبيوت أجدادهم فرمموها، تروي أشيقر قصة نجد كما عاشها أهلها. وهي دعوة لكل زائر أن يمشي في أزقتها، فيسمع في صمت الطين صدى قرون من الحياة والعلم والبناء.
اعداد : رياض عبدالله الحريري
المصدر: جريدة الرياض

