لم تكن المكتبات مجرد أبنية تضم الكتب، ولا رفوفًا تصطف عليها المؤلفات، بل هي فضاءات تتجسد فيها ذاكرة الإنسان، وتتقاطع داخلها تجارب الحضارات وأسئلة الفكر وتحولات المعرفة. ومن هذا المنطلق فإن تلاشيها وإغلاقها لا يمكن وصفه بأنه إجراءً إداريًا أو نتيجة اقتصادية فحسب، بل قضية ثقافية وحضارية تمس علاقة الإنسان بالمعرفة، ومكانة القراءة في المجتمع، وقدرة الأجيال على التواصل مع الإرث الفكري الإنساني،ففي زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية، يبرز سؤال جوهري: هل أصبح إغلاق المكتبات ضرورة تفرضها تحولات العصر، أم أنه مؤشر على تراجع الاهتمام بالثقافة العميقة لصالح المعرفة السريعة والعابرة،تفسير إغلاق المكتبات بالتحول الرقمي وحده يُعد تفسيرًا غير كافٍ، لأن العلاقة بين المكتبة والتكنولوجيا ليست بالضرورة علاقة تنافس أو تعارض، بل يمكن أن تكون علاقة تكامل وتطوير. فالمكتبات مؤسسات معرفية توفر بيئة تساعد على التركيز والتعلّم والبحث، وتمنح الأفراد فرصة للتفاعل مع المعرفة بعيدًا عن التشتت الذي قد يصاحب الاستخدام غير المنظم للوسائط الرقمية،كما أنها تتيح مصادر معرفية للأشخاص الذين لا يستطيعون شراء الكتب أو الاشتراك في قواعد البيانات الإلكترونية، وهو ما يجعلها إحدى الوسائل المهمة لتعزيز العدالة الثقافية وتقليل الفجوات المعرفية بين أفراد المجتمع.
غياب المكتبة من محيط المجتمع قد يؤدي إلى تراجع إحدى البيئات التي تشجع على القراءة الحرة وتنمية المهارات البحثية،وأيضًا فقدان مكان مخصص للمطالعة، بل قد يمتد إلى ضعف فرص المشاركة في الأنشطة الثقافية، مثل الندوات الأدبية ومناقشات الكتب واللقاءات الفكرية التي تسهم في بناء الحوار وتبادل الآراء.فالمكتبات تظل المؤسسة التي سعت في بناء الوعي، وتوسيع فرص التعلّم، وتوفير موارد معرفية يحتاج إليها الأفراد في مختلف مراحل حياتهم. وعلى الرغم من أن التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية تفرض تحديات حقيقية على استمرارها، إلا أن هذه التحديات لا تجعل إغلاقها الخيار الوحيد أو الحتمي، بل تستدعي البحث عن أساليب جديدة لتطويرها وضمان استدامتها، فإغلاقها ظاهرة متعددة الأبعاد، تتداخل في تشكيلها كل الاعتبارات السابقة، إغلاقها مؤذي وتلاشيها حتمًا سيترك فجوة واسعة، وإن تعددت مصادر المعلومات فالمكتبات تظل المعلم الأول لإنتاج المعرفة وتداولها والاستفادة منها، والحفاظ على دورها وتطويره يمثلان ضرورة ثقافية وتنموية.
المصدر – جريدة الرياض

