يزعم وائل حلّاق أنّ لـ «السنة» دلالة عامّة؛ تشمل جميع الأعراف والتقاليد التي يُشرعها المجتمع، ومن ضمنها ما سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم. ثم وجّهت دلالة السنّة لتعني أوّلاً مسلك النبي صلى الله عليه وسلم، من غير إزاحة مسالك غيره من المتقدمين، ثم مع الوقت قصرة على سنّة النبي صلى الله عليه وسلم العمليّة، ثم تطوّر شكلها حتى صارت دالّة على «السنة النبوية الشفويّة» فقط، في حقل معرفيّ هو «الحديث». ويتبع ذلك: الحكم بالكفر على كل من ردّ سنّة النبي صلى الله عليه وسلم بالمعنى الأخير، أو قدّم عليها غيرها.
وتقدّم في المقال السابق «أصول مفهوم السنة عند وائل» زعم وائل أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أنشأ دولة صغيرة بمفاهيم واضحة للعدالة، دون شريعة أو نظام قضاء مكتملين. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم متشبعاً بثقافة المنطقة التشريعية، ولم يهتم بالتشريع حتى السنة الخامسة للهجرة، وبخلفية تشريعات يهودية ونصرانيّة وشرائع منطقة الشرق الأدنى! مع بقاء كثير من المؤسسات والأعراف القديمة دون تبديل. مثل: الصلاة والصيام، وبعض المعاملات المالية كمقايضة التمر الذي لم ينضج، والقسامة.
ولأن الذي سيطر على ذهن وائل حلّاق -منذ بواكير كتاباته- هو النظر السياسي الغربيّ للسلطات، فقد نظر للمجتمع الإسلامي تحت دلالة «السلطة»، معيداً تشكيله ليظهر بمظهر المجتمع الذي يحكم نفسه بنفسه، ولا يُحكم من سلطة عليا تُعيد تشكيله. وحتى ينفي السُلط التي فيه، وأهمّها سلطة الوحي -القرآن وسنّة النبي صلى الله عليه وسلم-؛ يحيلها مباشرة للمجتمع؛ مكرّساً نظرة تذيب سلطة النبي صلى الله عليه وسلم من حيث هو مشرّع ولا شرع إلا عن طريقه، وتردّ تشريعات القرآن إلى الشرائع السابقة تقريراً وإصلاحا. فلا سلطة تعلو سلطة المجتمع!
ويتمادى حلّاق في إعادة تشكيله للشرع منطلقا من دلالة «السنّة» في زمن النبي صلى الله عليه وسلم»؛ ليدلل بأدلّة واهية أن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه لم يكن مؤسساً لها، وإنما هو إضافة من ضمن الإضافات، ومن بعده الخلفاء الراشدين نظروا ذات النظرة الأعم! فيعرّف وائل «السنة» بقوله: «»إنّ السنّة «وجمعها سنن» مفهوم عربيّ قديم، يعني ضرباً من السيرة النموذجية، والفعل «سنَّ» يحمل دلالة حافّة تعني: «وضَعَ أو سوّى نمطاً من السلوك نموذجاً يقتدي به الآخرون». ففي القرن الميلادي الخامس كان عرب الشمال يرون في إسماعيل -عليه السلام- على سبيل المثال؛ أشبه ما يكون بالرجل الصالح الذي منحهم أسوة حسنة ونهجاً في الحياة. فكان ممكناً لكل شخص في الجزيرة العربية فيما قبل الإسلام، عُرف باستقامة أخلاقه وشخصيته الكاريزميّة ومكانته المشهورة بين عائلته وعشيرته؛ أن يوفّر سنّة، أي سيرة نموذجيّة يُقتدى بها»! ويقول: «فمفهوم السنّة إذن ظهر قبل الإسلام واقترن بوضوح بسلوك الأفراد وليس بسير الأمم فحسب، مثلما يشير القرآن إلى ذلك في أكثر من موضع».
فمصادر التشريع في المرحلة التأسيسية -حسب ادعاءات حلّاق التحكّميّة-: القرآن، والسنّة «بمعنى الطريقة لا السنة النبوية حصراً»، والرّأي: بمعنى الاجتهاد حسب الأعراف والتقاليد ومبادئ القرآن!
ويمكن إجمال سمات السنّة في ذلك الزمن حسب حديث وائل عنها في: السنّة لا نصيّة، بشريّة لا وحي، ولا قدسيّة ولا حجيّة لها بذاتها، تشمل سنن الأنبياء عليهم السلام وغيرهم، ليست مُلزمة، ويمكن أن يُستبدل بها غير عبر الزمان، والسلطة للسنة من خلال المجتمع لا لسلطة منشئيها.
وبزعمه: السنّة النبويّة لا حجيّة لها بذاتها ولا استقلال تشريعي، إذ حياة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن دالّة على سلطة خاصة له -كما يزعم حلّاق-، بل كانت في ذلك الزمن يعبّر عنها بوصفها سيرة لا سنّة نبوية كما سيأتي لاحقاً -النموذج-، أمّا دخول النبي صلى الله عليه وسلم في «السنن»؛ فإن كان له نهج أو طريق في سلوك تناول مسألة ما، فجدير بالاحتذاء، ولا إلزام في اتباعه! والجمع بين السيرة والسنّة النبويتين في هذه الحقبة: أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم شكلت أجلى النماذج وأقواها للاحتذاء، فسيرته تتطابق مع مفاهيم سنته. أي أعماله النموذجية هي التي يقال عنها «السنة النبوية» لا النصوص الحديثية كما سيأتي! فهذه المرحلة هي مرحلة «السنّة النبويّة الحقيقيّة» عنده، والتي ستصبح «رمزيّة»، وفق تحوّلات لاحقة.
لنخلص إلى أنّ: السنن ذات الصبغة الاجتماعيّة هي المظلة الكبرى للتشريع، والتي تضمّ: القرآن، والسنة النبويّة، والإجماع، والرأي، والاجتهاد. حسب الجهاز المفاهيمي عند وائل.
المصدر – جريدة الرياض

