اختتمت في الرياض أعمال الورشة الأدبية المتخصصة “صناعة الرواية: أسرار البناء السردي”، التي قدمها الروائي يوسف المحيميد على مدى ثلاثة أيام، بواقع 15 ساعة تدريبية، ضمن الموسم الثاني من مشروع الورش الأدبية المتخصصة، بالتعاون بين جمعية الأدب المهنية وهيئة الأدب والنشر والترجمة و”مديد”. وأقيمت الورشة حضوريًا في الرياض، وأتيحت عن بُعد للمشاركين من خارجها، ومنحت 15 نقطة أدبية معتمدة.
وهدفت الورشة، وهي الرابعة ضمن المشروع، إلى تمكين المشاركين من فهم هندسة البناء الروائي، وتحويل الفكرة الأولية إلى مشروع يمتلك بنية متماسكة، وشخصيات فاعلة، وصراعًا متناميًا، وحبكة قابلة للتطور، وصوتًا سرديًا مناسبًا.
وتناول اليوم الأول الفكرة والحكاية والسؤال الروائي، وبناء الشخصية من خلال ماضيها ورغباتها ومخاوفها وتناقضاتها وتحولاتها. وأكد المحيميد أن السؤال يمثل بوصلة تنظم علاقة الشخصية بالمكان والزمن والصراع، وأن القوة المضادة قد تكون إنسانًا أو ظرفًا اجتماعيًا أو خوفًا داخليًا يلاحق الشخصية. كما أوضح أن التجربة الشخصية قد تكون مادة للكتابة، لكنها تحتاج إلى إعادة تشكيل فني حتى تتحول إلى رواية. وتوقف عند أهمية القراءة المتنوعة والبحث والمراجعة، مستشهدًا برواية «العطر» لباتريك زوسكيند وعدد من تجاربه الروائية.
وانتقل اليوم الثاني إلى الزمن والإيقاع والمكان وهندسة الفصول، موضحًا أن الرواية قد تبدأ من النهاية أو من لحظة أزمة، ثم تعود إلى الماضي عبر تيار الوعي، مع إمكان الاستباق بإشارات محسوبة. وشدد على إبطاء اللحظات المصيرية وتسريع الفترات غير المؤثرة، وربط الشخصيات بسياقها التاريخي والاجتماعي بعيدًا عن الصور النمطية، والاستناد إلى الوثائق والشهادات وانتقاء التفاصيل التي تخدم الحكاية.
وتناول المحيميد المكان بوصفه قوة سردية تؤثر في الشخصية والحبكة، لا خلفية محايدة، مستعرضًا نماذج من «مئة عام من العزلة» و«زقاق المدق» و«مدن الملح» و«موسم الهجرة إلى الشمال». كما أشار إلى أن صورة المكان تتغير باختلاف الزمن والذاكرة، وأن كل فصل ينبغي أن يمتلك وظيفة وحركة وتحولًا يدفع القارئ إلى مواصلة القراءة.
وجاء اليوم الثالث بعنوان “صوت الرواية وكتابة المشهد»، وتناول الفرق بين الكاتب والراوي ووجهة النظر، مستعرضًا الراوي المتكلم والعليم والمحدود والخارجي، إلى جانب تعدد الرواة واستخدام ضمير المخاطب. كما ناقش لغة الحوار وما تكشفه من صراع ومشاعر خفية، وأهمية اختلاف أصوات الشخصيات بحسب بيئاتها وتجاربها، وتجنب الشرح المباشر.
وأوضح أن المشهد الحي يقوم على هدف وعائق وضغط زمني ونفسي وتحول ونتيجة، مستشهدًا بـ”رجال في الشمس” لغسان كنفاني و”وقائع موت معلن” لماركيز. وشهدت الورشة تطبيقات ونقاشات أتاحت للمشاركين اختبار أفكارهم ومخططاتهم الروائية الأولية عمليًا. واختتمت الورشة بالتأكيد أن التخطيط ينظم عناصر الرواية، بينما يمنحها الخيال والإحساس والتجربة روحها، وتظل المراجعة وإعادة الكتابة أساسًا لصناعة عمل متماسك.
المصدر – جريدة الرياض
