في مسيرة التحول الوطني الهائلة التي تعيشها المملكة، تبرز بعض الرؤى التي لا تكتفي بقراءة الواقع، بل تعيد صياغة المستقبل بكفاءة واقتدار. ومن أسطع هذه الرؤى الحيوية ما يقوده وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، الذي أسهم باحترافية في ترسيخ مكانة الثقافة كـ قطاعًا وطنيًا ذا قيمة اقتصادية واجتماعية عليا، يتجاوز حدود الفعاليات العابرة والمناسبات الموسمية إلى بناء منظومة مؤسسية متكاملة للابتكار والاستثمار المستدام في الإنسان.
لقد أدرك الأمير بدر منذ اليوم الأول أن الثقافة ليست ترفًا مؤجلًا، ولا نشاطًا هامشيًا يدور في فلك الاقتصاد، بل هي أحد أثمن الموارد الحية التي تمتلكها المملكة لصناعة مستقبل أكثر تنوعًا واستدامة.
ويتجلى عمق هذا التوجه في أنه ينظر إلى الموهبة السعودية الشابة باعتبارها رأسمال وطنياً لا ينضب، وإلى الفنون والتراث والمعرفة بوصفها مجالات استثمارية بكر قادرة على توليد فرص العمل النوعية، واستقطاب الرساميل المحلية والدولية، مع تعزيز حضور المملكة الريادي في المشهد الثقافي العالمي.
ولعل من أبرز ملامح هذا التحول الجذري، الانتقال الفعلي من رعاية المبدع إلى تمكينه وصقل أدواته، فالموهبة لا تكتمل قيمتها الاقتصادية بمجرد اكتشافها، وإنما تحتاج إلى بيئة حاضنة وتدريب متخصص، إلى جانب المظلة المؤسسية والتمويل الذكي، والسوق الواعي الذي يقدّر المنتج الثقافي ويمنحه قيمته الحقيقية. ومن هنا، تبرز القيمة المضافة للبرامج والمبادرات الشاملة التي تعمل وزارة الثقافة على تطويرها، والتي تفتح أمام المبدعين والمبدعات مسارات جديدة واعدة للتعلم والإنتاج الاحترافي والمشاركة الحقيقية في هيكل الاقتصاد الإبداعي.
وتؤكد التقارير الرسمية هذا الحضور المتنامي للثقافة في سوق العمل، إذ رصد التقرير السنوي لوزارة الثقافة لعام ألفين واثنين وعشرين تشغيل مئتين وأربعة وأربعين ألفاً وثمانية وتسعين موظفاً في القطاع، بينما أظهر تقرير الثقافة والعمل والتدريب والتعليم لعام ألفين وثلاثة وعشرين تسجيل مئتين وستة عشر ألفاً وثمانمئة وثمانية وسبعين موظفاً؛ وهي أرقام تعكس في عمقها الحركية التنظيمية العالية التي تشهدها السوق عبر إعادة تصنيف المهن الثقافية وتدقيق مساهمتها الفعلية، وتكشف في الوقت ذاته عن قطاع حيوي واعد يتطلب قراءة صحفية واستثمارية دقيقة لمعدلات نموه وتحدياته، مع مواصلة تطوير المهارات النوعية التي يطلبها سوق العمل الجديد.
إن قيمة المشروع الثقافي الشامل الذي يقوده الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان لا تقاس بوفرة المبادرات وحسب، بل بقدرته الفائقة على التأسيس لثقافة مؤسسية راسخة تؤمن بأن الإبداع صناعة قائمة بذاتها، وأن الاستثمار في العقل البشري هو الاستثمار الأكثر أماناً واستدامة للمستقبل. فحين يجد الفنان والمصمم والكاتب والمخرج والموسيقي البيئة التشريعية والمالية التي تمكنه من تحويل شغفه وموهبته إلى مشروع تجاري رابح، تصبح الثقافة جزءًا حيوياً من دورة اقتصادية أوسع تتكامل مع التعليم والسياحة والتقنية والضيافة، وتمنح الهوية الوطنية حضورًا متجددًا وبصمة استثمارية خاصة في الأسواق والمنصات العالمية.
ومن هذه الزاوية التحليلية، فإن وزارة الثقافة لا تؤدي دورًا تنظيميًا ورقابياً فحسب، بل تسهم بفاعلية في بناء الوعي المجتمعي بقيمة الثقافة، وتوسيع مساحاتها الإبداعية في الحياة العامة، وربطها الوثيق بمستهدفات رؤية المملكة عشرين ثلاثين. وهو جهد وطني يستحق منا كل التقدير؛ لأنه يعيد الاعتبار إلى الثقافة باعتبارها قوة ناعمة مؤثرة، ومورداً اقتصادياً متجدداً، وذاكرة وطنية حية قادرة على أن تتحول بامتياز إلى مستقبل اقتصادي باهر.
وزير الثقافة، يقدم اليوم نموذجاً ملهماً للقيادة الثقافية الواعية التي تجمع باقتدار بين الاعتزاز بالتراث التاريخي والانفتاح المرن على المستقبل، وبين حماية أصالة الهوية وتطوير أدواتها العصرية.
وفي هذا التوازن الدقيق يكمن نجاح مشروعه الاستراتيجي: أن تصبح الثقافة السعودية حاضرة في الوجدان، ومنتجة في ميزانية الاقتصاد، ومؤثرة في صياغة العالم.
المصدر – جريدة الرياض
