ما من نُضج نبلغه إلا وسيكلفنا خسارة بشكلٍ أو بآخر، فثمة أشياء لا نتعلّمها إلا بعد أن ندفع ثمنها. فنتعلّم ألّا نثق بكلِّ ما يُقال بعد أن نكتشف أن الصدق ليس صفة يتقاسمها الناس بالتساوي. ونتعلّم ألّا نمنح أحدًا أسرارنا بعد أن نرى كيف يُمكن لما نبوح به في لحظة طُمأنينة أن يرتدّ علينا غدرًا في لحظة خصومة.
نُسمي هذه التحوُّلات نضجًا وهي كذلك في جانب منها. غير أنّ في الأمر خسارة لا نلتفتُ إليها عادة، فكلَّما ازددنا معرفةً بالحياة ضاقت مساحةُ عفويتنا فيها. إذ نُصبح أكثر حذرًا، وأقل اندفاعًا، وأقدر على توقع الخيبات، لكنَّنا قد نصبح من حيث لا نشعر أقل استعدادًا للمفاجأة، وأكثر ترددًا في منح الأشياء فرصتها الأولى.
لسنا مطالبين بالطبع بأن نستعيد سذاجتنا الأولى، أو أن نعود إلى الثقة التي لا تعرف أسباب الحذر. فثمة براءة لا تستمر إلا ما دام الإنسان يجهل بعض الحقائق، وإذا ما عرفها لم يعد من الحكمة أن يتصرّف كأنه لم يعرفها. لكنّ المشكلة تبدأ حين نخلط بين الحكمة والتحصّن، وبين أن نتعلّم من التجربة وأن نسمح للتجربة بأن تحدّد سلفًا كلّ ما سيأتي بعدها.
قد يخدعنا شخصٌ فنخرج من التجربة بقاعدة مفادُها أن الثقة خطأ. وقد تخذلنا علاقة فنقرر أنّ الارتباط مخاطرة لا تستحق. وقد نفشل في محاولة أردناها فنحوّل الإخفاق من واقعة محدودة إلى حكم عام على قدرتنا. وهكذا لا نكتفي بأن نتعلّم من الماضي، وإنما نمنحه سلطة على مستقبلنا؛ فنجعله يختار عنا، ويخشى عنا، ويرفض عنا، قبل أن تمنحنا الحياة فرصة لمعرفة ما إذا كان القادم يشبه ما مضى أم لا.
ومع ذلك، فإنّ أكثر ما يلفت النظر في الإنسان الناضج يكمن في حذره من نفسه. إنه يعرف الآن كيف يمكن للرغبة أن تضلّله، وللحماسة أن تُعميه، وللأمل أن يجعله يتغاضى عن إشارات واضحة. فيُراقب مشاعره ويختبر دوافعه، ويعيد النظر في قراراته. وهذه قدرة ثمينة ما دامت تمنحه بصيرة أوسع، لكنّها قد تتحوّل إلى استنزاف عندما يُطالَب كلَّ شعور بأن يبرِّر وجوده، وكلَّ رغبة بأن تُثبت سلامتها، وكلَّ خطوة بأن تضمن نتائجها قبل أن يخطوها.
فبعض الناس لا يتخذون قرارًا إلا بعد أن يستنفدوا احتمالاته في أذهانهم. فيتخيَّلون الخسارة قبل المكسب، والندم قبل التجربة، ونهاية الطريق قبل أن يقطعوا بدايته. وقد يبدون شديدي الحكمة؛ لأنهم نادرًا ما يقعون في أخطاء الاندفاع؛ لكنّهم قد يخسرون في المقابل فُرصًا لا تُتاح إلا لمن يقبل قدرًا معقولًا من المغامرة والمجهول.
فالحياة لا تمنحنا ضماناتها كاملة. ولا يمكننا أن نعرف سلفًا إن كانت العلاقة ستدوم، أو إن كان الطريق الذي اخترناه سيقودنا إلى ما نريد، أو إن كانت التجربة الجديدة ستمنحنا ما نرجوه منها. حيث إنّ الحياة لا تعمل بهذه الطريقة، وكلُّ محاولة لإزالة هذا الغموض قبل الفعل قد تنتهي إلى تعطيل الحياة باسم الاستعداد لها.
ولعلنا نحتاج في مرحلة ما إلى أن نتعلّم درسًا مُعاكسًا لما علَّمتنا إياه الخيبات، وهو ألا نسمح لها بأن تجعلنا خبراء في تفادي الألم إلى الحد الذي نفقد معه القدرة على الاقتراب من الفرح. فليس النجاح في الحياة أن نخرج منها بأقل عدد من الجروح فحسب؛ إذ قد يكون بعض ما يستحق أن نعيشه محفوفًا باحتمال الخسارة، وقد تكون بعض العلاقات جديرة بالمحاولة مع أننا لا نملك ضمانًا لاستمرارها.
إنّ النضج الحقيقي لا يُعيدنا إلى البراءة الأولى، لكنّه يمنحنا شيئًا ربما كان ينقصها، كالقدرة على أن نختار الانفتاح ونحن نعرف مَخاطره، وأن نثق من غير أن نتخلَّى عن بصيرتنا، وأن نفرح من غير أن نشترط على الفرح أن يدوم. إنه لا يمحو الذاكرة، وإنما يمنعها من التحوّل إلى سجن التجربة. ولا ينكر الخسارة، وإنما يرفض أن يجعلها المعنى الوحيد لكلِّ تجربة مُقبلة.
ثم إنّ للنضج وجهًا آخر لا يقلُّ أهمية، وهو أنّ نتصالح مع حقيقة أننا لن نصل إلى مرحلة نغدو فيها مُحصَّنين تمامًا من الخطأ. فقد نُكرِّر بعض أخطائنا، وقد نُسيء تقدير بعض الناس، وقد نندم على قرارات اتخذناها بعناية. وليس في ذلك ما يُبطل ما تعلَّمناه. فالحكمة ليست قدرةً خارقةً على منع الألم، وإنما قدرةٌ على فهمه من غير أن نسمح له بابتلاع حياتنا كلِّها.
وربما كان علينا أن نُعيد النظر في الصورة المثالية التي رسمناها للإنسان الناضج؛ ذلك الذي لا يفاجئه شيء ولا يخدعه أحد ولا يندم على قرار ولا يفقد اتزانه أمام خيبة. فهذه الصورة على ما تُوحي به من قوة قد لا تصف إنسانًا ناضجًا بقدر ما تصف إنسانًا أنهكه الخوف من أن يكون إنسانًا.
المصدر – جريدة الرياض

